عبد الكريم الخطيب
1037
التفسير القرآنى للقرآن
طريقهما ، ووقفتا منهما موقف العدوّ المحادّ لهما . . « فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً » أي لم يكن لهما من النبيين الكريمين شافع يردّ عنهما بأس اللّه ، فأهلكهما للّه في الدنيا مع القوم الظالمين ، إحداهن بالغرق ، والأخرى برجوم السماء . . أما في الآخرة ، فالنار مثواهما مع أهل الكفر والضلال : « وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ » . . وعلى عكس هذا ، ما كان من امرأة فرعون . . حيث ضمّها إليه رجل كان من أشد عباد اللّه كفرا ، وأبعدهم في الضلال مذهبا . . ومع هذا فقد استنارت بصيرتها بنور الهدى ، فآمنت باللّه ، وأبصرت طريقها إليه وسط هذا الظلام الكثيف المتراكم . . وبهذا نجت بنفسها من هذا المصير الذي صار إليه فرعون والملأ الذين معه . . « وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » . . وقد استجاب اللّه سبحانه وتعالى لها ، وأدخلها في عباده المؤمنين ، وأبقى لها ذكرا خالدا في المكرمين من عباده . . وهذه مريم ابنة عمران ، التي نذرتها أمها للخدمة في بيت اللّه ، والعمل في طاعته . . إنها نبتة طيبة ، في منبت طيب . . قد قام أمرها على الطريق المستقيم ، وهي في بطن أمها ، فلما استقبلت الحياة احتواها بيت اللّه ، وضمها إليه نبي من أنبياء اللّه ، هو زكريا عليه السلام . . وهكذا كانت عناية اللّه تحفّ بها ، وألطافه تتوالى عليها . . حتى كانت الصلاح ، والتقوى ، والطهر ، وبهذا كانت الأنثى التي استخلصتها الإنسانية كلها ، لتلقّى كلمة اللّه ، ولتلد بنفخة من روح القدس ، مولودا يتخلق في كيانها من غير أن يشاركها فيه رجل . . وفي هذا يقول سبحانه : « وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ » ( 12 : التحريم )